«إذا أرغم أي رأي على السكوت، فإن هذا الرأي في حدود علمنا، قد يكون صحيحاً، وإنكار ذلك إنما يعني افتراض العصمة فينا» الحرية لـ جون ستيوارت ميل.
سمو الأمير القائد وضع النقاط فوق الحروف عندما تحدث عن حرية التعبير حديث العارف بقيمة الرأي والرأي الآخر، فهو حفظه الله حين يقول: «إننا نؤمن إيماناً راسخاً أن إتاحة الفرصة لحرية التعبير ليست ضرورية فقط لزيادة المشاركة الفعّالة للمواطنين في شؤون بلادهم، بل إنها كذلك من أهم مقومات نجاح العمل الوطني»، فإن سموه بذلك يضع أصبعه على الجرح، فمن أهم مقومات نجاح «العمل الوطني» أنه لا يكون سراً من الأسرار الحربية لا يعرف عنها الجمهور إلا الألغاز، وإنما سبيل الرشاد في نجاح «العمل الوطني» أن يكون كتاباً مفتوحاً للجميع حتى يتحقق شعار «الشخص المناسب في المكان المناسب» بتصويت وتصفيق الجميع على أفعاله.
ومن المعروف أن الصحافة منبر من منابر حرية التعبير، وهي حجر الزاوية وواسطة العقد في جميع الحريات وبلد من غير حرية صحافة بلد من غير حريات أصلاً وفصلاً، لأن حرية الصحافة تعنى أن لا أحد يستطيع احتكار الحقيقة أو يرفع لواء العصمة، وحرية الصحافة في الأول والأخير دليل عافية وطوق نجاة من الاستبداد والطغيان. لهذا كله هل عندنا حرية صحافة؟
لاشك أن رفع الرقابة عن الصحف وإلغاء وزارة الإعلام وإطلاق شرارة مارد القنوات الفضائية الحرة «قناة الجزيرة العظمى» قرارات تعزز القول بأن القيادة السياسية مؤمنة إيماناً جازماً أن حق التعبير وحرية الصحافة هي الأسس التي يقوم عليها بنيان الدولة العصرية، ولكن الإشكالية فينا نحن الكتاب فما زالت الرقابة الذاتية حجر عثرة أمامنا للانطلاق إلى فضاء حرية الصحافة، فنحن نحوم حول الحمى ولا نتجرأ أن نقع فيه.
وهذه الإعاقة في القلم القطري قد تكون لها بعض المبررات مثل عدم وجود تشريع حديث في مجال المطبوعات والنشر يحمي القلم القطري من الكسر في أول محاولة له؛ لعدم التهيب من صعود جبال حرية التعبير، لذلك يرى القلم القطري السلامة كل السلامة في الكتابة وهو يعيش بين الحفر.
وسبب الإعاقة الثاني هو القائمون على الصحف أنفسهم، فالبعض منهم ما زال يعتنق فكرة المركزية الإدارية حتى في مجال حرية التعبير، فهو يرى أن من الأحوط أن تكون الصحافة المحلية ذات طريق واحد، إذا قال رئيس التحرير فيها: «أبوك السقا مات» ردد جميع الكتاب وراءه «أبوك السقا مات».
فكيف بالله نريد حرية صحافة والواقع الصحفي يعلن بصريح النص أن حسن الخاتمة في أن تكون الجريدة بلون واحد، وطعم واحد، ورأى واحد، مكرر بعدد كتاب الصحيفة، كيف نثمن ونحترم رفع الرقابة الحكومية عن الصحافة المحلية، ثم بعد ذلك نطالب باستبداد رئيس التحرير برأيه.
كيف نحارب النظام الشمولي والرأي السياسي الواحد الأحد، ونطالب به في عقر دار السلطة الرابعة «الصحافة».
ما قيمة الأفكار والآراء إن لم تتلاقح، وما قيمة الرأي إن لم يكن هناك رأي آخر يدفعه للتحدي والإبداع.
إن خلق وتكوين رأي عام قطري مؤثر وضاغط في مسألة من المسائل يكون بالحجة والمنطق القوي وليس برفع عصا الجريدة على الجميع.
إن تشكيل رأي عام جماهيري فاعل لا يكون باحتكار الحقيقة والضرب على وتر واحد لا شريك له، وإنما يكون بإقامة سوق عكاظ للكتارب وأصحاب الرأي القطريين والقطريات لعرض أفكارهم وتصوراتهم وحججهم على الرأي العام المحلي من خلال نافذة الصحافة.
إن تغريد الطيور الصحفية القطرية خارج سرب الحدود الإقليمية دليل على أن الخلل في حرية التعبير من الداخل!.
وإذا كان سمو الأمير المفدى قد فتح الأبواب فلماذا نقوم نحن بإغلاق النوافذ.
افتحوا فتح الله عليكم النوافذ؛ حتى تعود الطيور المغردة إلى أوطانها «فإذا وجد الماء بطل التيمم».
وفي الأخير إن الصحافة والصحفيين يحتاجون إلى بيت العائلة الكبير الذي يجمعهم بعد شتاتهم، فهل نرى الجمعية الوطنية للصحفيين قبل الممات، ندعو الله أن يتحقق ذلك وما ذلك على الله بعزيز. خصوصاً أن المحامين والأطباء سبقونا في ذلك، فهل نلحق بهم أم نسير خطوة للأمام ونرجع خطوتين للخلف، والسلام.