«يقصد بالإعلام تزويد الجماهير بالمعلومات الدقيقة والأخبار الصحيحة، والحقائق الواضحة، والنتائج المبنية على الأرقام والإحصاءات» الدكتور رمزي الشاعر.
منذ فترة حضرت محاضرة بعنوان «حرية الصحافة بين التنفيس والتغيير» للكاتب الصحفي المصري إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة الدستور.
ومما قاله في المحاضرة «الناس تتحدث عن أن دور الصحافة هو التغيير في حين أن الدور الحقيقي للصحافة هو التنوير فقط، فأنت تنور الرأي العام بالحقيقة، وهذا هو دور الصحافة الأصيل، وهي المهمة المنوطة بالإعلام، والإعلام مهمته في الأساس تنويرية، وذلك بتزويد الناس بالمعلومة الحقيقية».
إذا كان دور الإعلام الأول هو نشر المعلومات الحقيقية على الملأ، فإن كل إعاقة لوصول الصحافة إلى هذا الهدف هي في الحقيقة انتهاك لهذا الدور التنويري.
لذلك هل الصحافة القطرية في هذا المجال التنويري تسير على بصيرة، أم أنها حاطب ليل يتلقف المعلومات من مصادر شتى حتى يصل في النهاية إلى ربع الحقيقة؟
الملاحظ أن الجهات الرسمية عندنا في الغالب الأعم لا تقوم بدور إيجابي في هذا الجانب التنويري، وإنما الشغل الشاغل لهذه الجهات الرسمية نشر الصورة الوردية فقط لعملها.
حتى أصبح الهم الأكبر للكاتب القطري ليس في فهم المعلومات، وإنما في الوصول إلى هذه المعلومات، وأقرب شاهد على ذلك ما حدث في اليوم العالمي لحرية الصحافة، وحضور الصحفي الدينماركي، وغياب الحقيقة في معرفة الجهة التي قامت باستدعائه، مما حدا بالأقلام القطرية -عند فك طلاسم هذا الأمر- أن تشرق وتغرب لتصل إلى جزء ولو بسيط من الحقيقة، وكل هذا لم يكن ليحدث لو أن الجهات الإعلامية الرسمية تعاملت مع هذه المعلومة بالشفافية المطلوبة، ولم تتكتم على الأمر، وقامت بدورها في التنوير.
والشاهد الآخر على التعتيم ما حدث من مجلس الشورى الموقر عندما رفع مقصلة قانون الجنسية على الجميع بسبب حدث لا يعرف المخاطبون بهذه المقصلة ما هو، مما دفع بقلوب الأقلام القطرية إلى الخوف من نتيجة لا يعرفون الأسباب المباشرة لها، مع أن تعليل القرارات والأحكام حق من حقوق من تقع عليه داهية هذه القرارات وعقوبة هذه الأحكام، لذلك يحق لنا القول بشكل صريح وبمنطق لا لبس فيه إن التعتيم على المعلومات التي تهم الرأي العام، وغياب الشفافية في التعامل مع الأقلام القطرية يخلق سوقاً رائجة للإشاعات، وهذا الأمر يقلل من قيمة الإعلام بشكل عام والصحافة بشكل خاص، لهذا من المهم أن يقوم المشرع بسن تشريعات تتيح للإعلام الوصول إلى المعلومات، وتحمي مصادر هذه المعلومات من العقاب، وتجعل من القلم القطري مشاركاً أصيلاً في التنوير ومحارباً مقداماً في وجه الإشاعة.
ونحن هنا لا نتحدث عن أسرار دولة، وإنما هي معلومات من حق الجميع الاطلاع عليها، ولكن سوء ظن الجهات الحكومية في الدور التنويري للصحافة دفعها لحجب هذه المعلومات عن الجميع و «يا دار ما دخلك شر».
وأقرب دليل على سوء ظن الأجهزة الحكومية ما نشرته بعض الصحف في أغسطس 2008، وكان يتعلق بأول قرار اتخذ من قبل بعض الوزراء الجدد في التشكيل الوزاري الأخير بمنع الاتصال بالصحافة بهدف تجفيف منابع المعلومات عنها.
إذا كنا نريد للصحافة القطرية أن تنتعش ولحرية التعبير أن تزدهر، فلا بد من توفير سبل الوصول إلى المعلومة الحقيقية بكل شفافية ومصداقية.
وهذا لن يتحقق في ظل قانون المطبوعات والنشر الحالي الذي يرفع شعار «لا يجوز نشر ما يلي» في أكثر من خمسة عشر بنداً! حتى أصبح ما يجوز نشره في ظل هذا القانون يحتاج وحده إلى خريطة طريق للوصول إليه.
لهذا فلا لوم على الكاتب القطري إذا أصبح من «بني صامت»، فهو بين مطرقة رقابة «سي السيد» رئيس التحرير، وسندان الرقابة الذاتية، وفوق هذا وذاك فقدان منابع المعلومات، فكيف تريد منه مقارعة كتاب صحف الخليج الأخرى، وهو في أحسن أحواله «قلم» يمشي في الظلام.
فمتى يصدر قانون صحافة يعزز من ثقافة تدفق المعلومات، ويتيح للقلم القطري حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويفتح أمامه طريق التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، حتى يتمكن القلم القطري من اللحاق بركب الأقلام الخليجية، وفي الأخير فإن أهمية الكلمة تنبع من مهمة الكلمة، فإذا كانت مهمة الكلمة التنوير على بصيرة، وصلت قيمة الكلمة إلى عنان السماء، أما إذا كانت مهمة الكلمة مزج الحقيقة بالخيال، فأهميتها لا تفوق خيال شاعر يخلط الحق بالباطل. لهذا لا تدفعوا القلم القطري للتلصص على ما يدور وراء جدران الأجهزة الحكومية.
وافتحوا الأبواب حتى تمارس الصحافة مهمة التنوير بكل شفافية ومصداقية.. والسلام.