يوم الخميس الموافق 31/12/2009 صدر التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود، ومما قيل فيه عن دولة قطر في مجال الصحافة: إن ملكية معظم الصحف القطرية تعود لأفراد معدودين، وإن الممارسة الصحافية ما زالت تعتبر ضربا من ضروب ألعاب التوازن، وأشار التقرير كذلك إلى حدة وزيادة وتيرة الرقابة الذاتية في الصحافة المحلية. وأنا في مقالي هذا سوف أعقب على بند ملكية الصحف.
لا شك أن حرية الصحافة تعني في الأصل والأساس حرية إصدار الصحف سواء للأشخاص المعنوية أو الطبيعية؛ لأن حرية إصدار الصحف من الأهمية بمكان؛ لرفع سقف حرية الصحافة؛ وذلك لارتباطها بشكل قوي مع حرية الرأي وحق التعبير عن ذلك الرأي، فهي وسيلة أساسية وجوهرية لتحقيق الغاية من تقرير حرية الصحافة كحق من الحقوق، وتلك الغاية هي التعبير عن الرأي، فحين ينص الدستور الدائم على أن حرية الرأي مكفولة، وحرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة، ومع ذلك نقيد أفق هذه الحريات بحرمان المخاطب بهذه الحقوق من الوسيلة أو الأداة التي تجعل من تلك الحريات واقعا فعليا يدب على الأرض نكون في الحقيقة قد أفرغنا الحق من مضمونه وجعلنا من تلك الحريات حديث إشاعة.
لذلك فإن فتح باب إصدار الصحف على قدم المساواة أمام من تتحقق في شأنه شروط واشتراطات القانون لإصدار الصحف فوق أنه تقرير لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين هو فوق ذلك إثراء لحرية الصحافة وتعزيز لثقافة حق التعبير.
فمنع الاحتكار في نطاق إصدار الصحف يولد تنافسا حميدا بين هذه الصحف والبقاء للأجدر، أما أن تظل ملكية الصحف تراوح مكانها بين عدة أشخاص لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة فهذا هو سبب تأخر قطار ركب الصحافة القطرية وقلة حيلتها وهوانها على الناس.
ومع أن المشرع القطري في قانون المطبوعات والنشر رقم ((8)) لسنة 1979 لم يقيد حرية إصدار الصحف للأفراد صراحة، ولكن المنع والمنح لهذه الأحقية بيد السلطة التنفيذية وذلك بنص القانون، ولا معقب عليها في ذلك، فسلطتها في هذا المجال واسعة؛ لهذا إذا أردنا أن تزدهر حرية الصحافة عندنا كما ازدهرت في الدول المجاورة -وأقرب مثال على هذا الازدهار في دولة الكويت بعد صدور قانون المطبوعات والنشر رقم ((3)) لسنة 2006- الذي أطلق حرية إصدار الصحف ((وبين إجراءات واضحة وجلية لاستصدار تراخيص الصحف، فأصبح بالإمكان الحصول عليه من خلال معايير موضوعية قانونية تعبر عن روح جديدة يرغب المشرع الكويتي في أن تستمر من أجل خلق أدوات قادرة على تفعيل حرية التعبير والرأي، وأخضع جميع ما يتعلق برفض المنح وإنهاء تراخيص الصحف أو تعطيلها إلى القضاء الكويتي)) قانون المطبوعات والنشر الكويتي – دراسة تحليلية نقدية -دكتور فايز عايد الظفيري..
أقول إذا أردنا ذلك الازدهار أن يحل علينا فيجب أولاً أن نعزز من مساواة الأفراد أمام ((القانون)) وأمام ((السلطة التنفيذية)) في حق إصدار الصحف وفى الوقت ذاته نطالب المشرع عند القيام بتعديل قانون المطبوعات والنشر الحالي أن يكون التظلم من قرار رفض منح تراخيص إصدار الصحف الذي تصدره الجهة المختصة في قطر ((وزارة الثقافة – إدارة المطبوعات والنشر)) الحق لمن رفض طلبه، وأن يكون النظر في هذه التظلمات اختصاص أصيل للقضاء، وليس من اختصاص السلطة التنفيذية “كما هو الآن” سواء كانت وزارة الثقافة أم مجلس الوزراء، وذلك احتراما لمبدأ الفصل بين السلطات وحتى لا يصبح الخصم والحكم جهة واحدة.
وبغير ذلك تصبح حرية الرأي وحرية الصحافة المكفولة وفقاً لنصوص الدستور ممنوعة من الصرف ومتعلقة بهوى السلطة التنفيذية.
ولا يبقى أمام الأشخاص المعنوية أو الطبيعية من وسيلة للحصول على أحقية إصدار الصحف إلا ترديد بيت شاعر الحكماء وحكيم الشعراء أبو الطيب المتنبي:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
فاصلة:
دفاعاً عن مبدع:
في الأسبوع الماضي قرأت في بعض المواقع على الشبكة العنكبوتية أن الدكتور حسن عبد الرحيم السيد قام بتقديم استقالته من عمادة كلية القانون في جامعة قطر، ولقد ذكرت بعض تلك المواقع أن الاستقالة كانت احتجاجية؛ لتسجيل موقف يرى الدكتور ضرورته؛ حتى لا تهضم حقوق كلية القانون.
فإذا كان ذلك كذلك فلقد والله خسرنا كفاءة من الكفاءات القطرية المخلصة في رحاب خدمة القانون، فالدكتور عقلية قطرية متميزة، وبحوثه المنشورة في مجلة الحقوق الكويتية تشهد بطول باعه وطلاقة قلمه في الدراسات القانونية، ناهيك عن مقالاته التي قام بنشرها على صفحات جريدة الشرق القطرية والتي كانت محاولة مبدعة؛ لنشر الثقافة الدستورية في المجتمع القطري.
وفوق ذلك هو من زرع في طلاب وطالبات كلية القانون شعار الاعتزاز بالتخصص وعلامة التميز التي يجدها دارس القانون في نفسه عند المقارنة مع أقرانه من أصحاب التخصصات الأخرى.
للإنصاف ليست جامعة قطر فقط هي من خسرت هذه العقلية الطموحة للتطوير، ولكن المجال القانوني بشكل عام سوف يصيبه شيء من الأثر، وذلك لأن أهل مكة أدرى بشعابها والدكتور حسن السيد يعرف ما يخدم المجتمع القطري من مواد تطرح في المسار القانوني الأكاديمي.
وفي الأخير متى ينتهي مسلسل رَكن المبدعين القطريين على الرف. والسلام.