ما من شك في أن الأسرة أساس المجتمع، وأنه لا بد لتدعيم كيانها وتقوية أواصرها من بذل الجهد على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والتشريعية.
والناظر إلى الدستور الدائم لدولة قطر يرى أن المادة (21) منه تنص على أن (الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، وينظم القانون الوسائل الكفيلة بحمايتها، وتدعيم كيانها وتقوية أواصرها والحفاظ على الأمومة والطفولة والشيخوخة في ظلها).
كما أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي انضمت إليها دولة قطر في 23 يونيو بالمرسوم رقم (28) لسنة 2009 والذي صرح في مادته الأولى بأن يكون لها قوة القانون، تتضمن في البند 2 من المادة (11) ما يلي من الحماية للأمومة حيث تنص على التالي (توخياً لمنع التمييز ضد المرأة بسبب الزواج أو الأمومة، ضماناً لحقها الفعلي في العمل، تتخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة.أ-…………….ب- لإدخال نظام إجازة الأمومة المدفوعة الأجر أو المشفوعة بمزايا اجتماعية مماثلة دون فقدان للعمل السابق أو للأقدمية أو للعلاوات الاجتماعية)، وهذه المادة ليست من المواد التي أبدت عليها دولة قطر تحفظات عند الموافقة على الانضمام لها، وبذلك تكون لهذه المادة قوة القانون الوطني استناداً للمادة (68) من الدستور الدائم.
وهذه النصوص السابقة تهدف لحماية الأسرة وتوفير الرعاية للطفولة والتوفيق بين التزامات المرأة نحو بيتها وأطفالها وبين واجباتها الوظيفية، لهذا تقر أغلب التشريعات إجازة الأمومة أو إجازة رعاية الأسرة أو إجازة رعاية الطفولة حتى إن بعض القوانين في الدول الأجنبية تسعى لتقرير إجازة الأبوة للرجل حتى لا تشغله الوظيفة عن أداء مهمته الأولى وهي الاهتمام بأسرته وأطفاله..
وتشريعات الوظيفة العامة في قطر تقر للمرأة بإجازة الأمومة لرعاية أولادها، فقانون الخدمة المدنية السابق يمنح الموظفة إجازة أمومة بحد أقصى سنتين في كل مرة، ولمرتين طوال مدة خدمتها، وبفاصل زمني بين الإجازتين لا يقل عن أربع سنوات، وبالراتب الأساسي والعلاوات الدورية في المرة الأولى وبنصف ذلك في المرة الثانية، وذلك لرعاية أولادها الذين لم يتجاوزوا سن الـ 16.
وكان يستثني الموظفة التي لها أولاد من ذوي الاحتياجات الخاصة من شرطي السن وعدد المرات..
وهذه الإجازة في قانون الخدمة المدنية السابق كانت سلطة تقديرية بيد الوزير المختص، أي إنها جوازية بالنسبة له يمنحها ويمنعها مراعاة لمقتضيات صالح العمل..
والملاحظ في الأمر أن قانون الموارد البشرية بعد أن رفع من سقف المبلغ المالي الذي يمنح للموظفة القطرية عند القيام بإجازة الأمومة لرعاية أولادها حيث إنه يمنحها راتبا إجماليا في المرة الأولى ونصف ذلك في المرة الثانية، والراتب الإجمالي هو الراتب الأساسي والعلاوات الدورية والعلاوات والبدلات الأخرى، وبذلك نرى أن المشرع في قانون الوظيفة العامة الجديد كان كريماً مع المرأة في مسألة المقررات المالية التي تصرف لها في أيام هذه الإجازة، بعكس القانون السابق الذي كان لا يعترف لها إلا بصرف الراتب الأساسي والعلاوة الدورية..
ومع ذلك جاءت القرارات والتعاميم -التي صدرت لوضع الضوابط لنصوص قانون إدارة الموارد البشرية- وقيدت من واسع أفق الحق، حيث إن هذه القرارات والتعاميم ضيقت من نطاق تطبيق إجازة الأمومة، وذلك بأنها قررته حصريا لمن لديها طفل معاق أو أكثر، أو من لديها ابن مصاب بمرض شديد الخطورة ويستدعي أن تكون الأم ملازمة له بشكل دائم..
وبذلك أخرجت من نطاق تطبيق حق الحصول على إجازة الأمومة شريحة عريضة من الموظفات القطريات اللواتي لا تتوافر في حقهن هذه الشروط..
فهل تحول حق المرأة في الإجازة لرعاية أولادها من حق لها إلى حق للأطفال المعاقين أو ذوي الاحتياجات الخاصة فقط!
هل الأطفال الأصحاء لا يستحقون توفير الرعاية لهم بإعطاء أمهاتهم إجازة أمومة للتفرغ لأداء واجب الاهتمام بهم!
لماذا التشريعات عندنا تتراجع عن بعض الحقوق التي أقرت سابقاً..
هل إذا رفع القانون الجديد من سقف المقابل المادي للإجازة فمن حق المشرع التضييق من نطاق الحق..
أين دور هياكل المجتمع المدني المتمثلة في الموسسات المسؤولة عن حماية المرأة والطفولة للقيام بحماية حق المرأة في الحصول على إجازة لرعاية أولادها سواء كانوا من ذوي الإعاقة أو لا..
أنا أعتقد أن الموظفة القطرية تستحق رفع سقف نطاق تطبيق إجازة الأمومة ليشمل جميع الحالات، وذلك لأن هذه الصورة من الصور الإيجابية والمشرقة لمصطلح تمكين المرأة حتى تستطيع أداء الخدمة الوطنية بنفس راضية بعيدة عن تأنيب الضمير لترك أولادها في مهب ريح الحرمان..
فهل نتعشم خيرا بإعادة أوضاع نطاق تطبيق حق الأمومة إلى أفقه الواسع الذي كان عليه في السابق، نرجو ذلك وليس ذلك على الله بعزيز..
وفي الأخير ألا تستحق المرأة شقيقة الرجل، نصف المجتمع ومنجبة النصفين معا، الأم التي قال عنها الرسول عليه السلام (الزم رجلها فثم الجنة) والبنت التي قال عنها (ساووا بين أولادكم في العطية، فإني لو كنت مؤثرا أحدا على أحد لآثرت النساء على الرجال) والأخت التي قال في حقها (لا يكون لأحدكم ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا دخل الجنة) والزوجة التي قال في حقها (خيركم خيركم لنسائه) والمرأة كجنس التي قرر المساواة لها بقوله (إنما النساء شقائق الرجال) أن ندافع عن حقها في إجازة أمومة خالية من القيود التي تنتهي بنطاق الحق إلى أضيق الحدود..
وزبدة القول أتمنى أن لا نتعامل مع إجازة الأمومة بعقلية المحاسب الذي يرى أن الموازنة بين الإيرادات والنفقات هو النجاح بعينه، فإجازة الأم لرعاية أولادها المعاقين والأصحاء خيرها النفسي والاجتماعي متعد ليشمل المجتمع ككل، فالأسلم في هذا الأمر خسارة المال ولا خسارة التربية والأطفال.. والسلام