((أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)).
تذكرت هذه الآية الكريمة وأنا أتابع ما يحدث من تعتيم إعلامي في صحفنا المحلية وإعاقة لثقافة تدفق المعلومات وحجر مستمر على الرأي الآخر وتقييد مبالغ فيه لحق التعبير، مع قيامنا في الوقت نفسه بإعطاء الآخرين دروسا في حسن التعامل مع مصطلح الرأي والرأي الآخر إذا أتت به الغانية الحسناء قناة الجزيرة!
فهل يعقل أن تحجب مقالتان لكاتب واحد في بحر أسبوع، وندعي بعد ذلك أن الصحافة المحلية ((لسانكم الذي تتحدثون به، وقلمكم الذي تكتبون به، وعينكم التي ترون بها، ندافع عن قضاياكم أينما كانت)) انظر مقال ((الشرق أمانة ومكانة)) لرئيس تحرير جريدة الشرق في21/12/2008…
كيف يحق لنا التشكيك في حسن سير الآخرين في مسيرة حرية الصحافة، وذلك بالقول: ((لم يعد اليوم في أية دولة كانت بالإمكان إخفاء الحقائق عن وسائل الإعلام المحلية منها والعالمية، فما يعتقد أنه يمكن منعه من الوصول إلى الصحف فإنه يصل إلى الفضائيات، وما يعتقد أنه يمكن منعه من الوصول إلى الفضائيات يصل إلى المنتديات!! والمدونات وغيرها من وسائل الإعلام الحديثة؛ لذلك من الأفضل فتح الباب أمام وسائل الإعلام، والحديث بشفافية، والسماح بتدفق المعلومات بحرية، بدلا من المنع أو الإغلاق)). انظر مقال ((البحرين تغلق مكتباً غير موجود!)) لرئيس تحرير جريدة الشرق في 20/5/2010.
ومع الصياغة الجميلة للكلام السابق تقوم نفس الصحيفة في أقل من شهر – بعد هذا الكلام المنمق- بحجب الثقة عن مقالين للكاتب المتميز الأستاذ لحدان بن عيسى المهندي واحد بعنوان ((البرلمان أساس الاستقرار)) والآخر بعنوان ((يا أم غسان…. تودي كدا شرا…. !)).
ألا يحق لنا عندها التصريح – بدل التلويح – بالقول نحن أحق بالشك- في حرية التعبير –من «إبراهيم»!!
إن حجب ثلاث مقالات عن موضوع التمديد لمجلس الشورى الحالي وتقريباً في نفس الشهر عن صفحات جرائدنا المحلية تعتبر عملية طاردة للرأي الآخر ومطاردة لحق التعبير.
هل يحقق رؤساء التحرير «الجدد» النجاح في القضاء على كل أمل لحياة المقولة التالية: ((رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب))، وذلك بعد أن عجز مقص الرقيب الحكومي سابقاً عن تحقيق هذه المصيبة الثقافية.
نحن نأمل أن يكون الفشل حليف رؤساء التحرير «الجدد»، وأن تبقى راية الإعلام الحر النزيه مرفوعة عالية ليس في قطر فقط وإنما في جميع ربوع الوطن العربي.
لهذا يحق لنا القول -وبصريح العبارة- لماذا الكيل بمكيالين يا رؤساء التحرير «الجدد» الأعزاء؟ لماذا لم نسمع في موضوع التمديد لمجلس الشورى الحالي إلا لصوت وصدى صوت الحكومة؟ وتم تغييب وجهة النظر المقابلة بفعل فاعل مستتر مسماه الوظيفي حارس البوابة!.
هل يحتاج بعض رؤساء التحرير «الجدد» دورة إنعاش للملكة الحقوقية عندهم، أو تنمية مهارات في التعامل مع الرأي الآخر.
يقول الدكتور أشرف رمضان في بحثه القيم حرية الصحافة – دراسة تحليلية في التشريع المصري والقانون المقارن ((إن حرية الصحافة تعد امتيازاً للحاكم والمحكوم معاً، إذ إنها تساعد الحاكم في الوقوف على رغبات شعبه واتجاهاته وميوله، الأمر الذي يدفعه إلى توجيه سياسته بما يتفق مع هذه الرغبات والميول؛ مما يجعل حكمه أكثر رسوخاً وثباتاً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تمثل الصحافة الرقيب الدائم على كافة سلطات الدولة، ولها تأثير بالغ عليها، فالصحافة لسان الشعب المعبر وعينه الساهرة، وهذا ما حدا بجانب من الفقه إلى تسميتها بالسلطة الرابعة)) ص((7)) .
نحن إذ نثمن لجريدة «العرب» حرصها على فتح الأبواب أمام الأقلام القطرية ورفعها لسقف الحرية في محيط الإعلام المحلي بفضل الله من قبل ومن بعد، ثم بفضل جهود رئيس التحرير السابق الأستاذ عبدالعزيز آل محمود ورئيس التحرير الحالي الأستاذ أحمد بن سعيد الرميحي، يحز في نفسنا أن تتعثر مسيرة حرية التعبير في بعض الصحف الأخرى، فهل يعقل أن نقرأ مقال ((البرلمان أساس الاستقرار)) للأستاذ لحدان بن عيسى المهندي ومقاله الآخر بعنوان ((يا أم غسان.. تودي كدا شراً…))، ومقال ((ترقب إجراء الانتخابات يعبر عن حق كفله الدستور)) للكاتب القدير الأستاذ محمد بن هلال الخليفي على شاشة منتدى الأسهم القطرية بعد قطع الإرسال عنها في الصحف المحلية، هذا ونحن نعيش في عصر «قناة الجزيرة العظمى» التي قيل عنها إنها تعادل أمة!!.
فحتى متى نعيش هذا التناقض بين الشعار العالمي والواقع المحلي يا رؤساء التحرير «الجدد»؟
القيادة السياسية لم تقصر، فلقد قامت برفع الرقابة الحكومية عن الصحف المحلية، ولم يبق أمامكم إلا استلام زمام المبادرة والتخلص من جلباب «الآباء»!، وذلك حتى لا تتعطل المسيرة بدعوى خير الأمور ما قد سلف ! فلكل زمن دولة ورجال.
فهل نفهم الدرس ونعيش المرحلة، أم نعيش ونموت ونحن من بني صامت.
وزبدة القول:
دعوا الخوف وابدؤوا الحياة يا رؤساء التحرير «الجدد». والسلام