خدعوها بقولهم حسناء
والغواني يغرهن الثناء
هل أصبح الإعلام القطري غانية يسرها مديح الخواجات بقولهم إنها في حرية التعبير حسناء!
حتى ولو كان الواقع المحلي يقول “لا يغرك الطير بصفة الريش”.
ألا تعلم هذه الغانية أن الوصول إلى العالمية يستدعي الاستغراق في المحلية، أم أن المسألة كلها تتمحور في مقولة “باب النجار مخلّع”.
بمناسبة اليوم الوطني لحقوق الإنسان، أصدر مركز الدوحة لحرية الإعلام بيانا قال فيه “تحتفل دولة قطر يوم الثلاثاء 11/11/2008م باليوم الوطني لحقوق الإنسان ومن بين هذه الحقوق، حق لا يمكن ممارسة الحقوق الأخرى من دونه بل يتقدمها ألا وهو حرية التعبير..”.
وبعد ذلك أخذ البيان يعدد مواقع الفخر في سيرة دولة قطر في مجال حرية التعبير من مثل إطلاق أول فضائية في العالم العربي مانحة مجال التعبير ليس لرجال السلطة فحسب، بل لمعارضيهم أيضا متخذة شعارها “الرأي والرأي الآخر” محدثة ثورة إعلامية في هذا الجزء من العالم.
ومن مثل “إن دولة قطر قد أنشأت مركز الدوحة لحرية الإعلام الذي يحظى بنزعة عالمية في سابقة من نوعها حيث كانت كل المنظمات الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان تقع في الدول الغربية”.
ومن مثل “إن دولة قطر عرفت كيف تتمسك بالأصالة عندما أرادت الأكثرية الساحقة من وزراء إعلام البلدان المنتمية إلى جامعة الدول العربية اعتماد وثيقة كفيلة بقمع حرية بث الفضائيات”.
وبعد ذلك أخذ يسرد مواطن الخلل في سيرة ومسيرة حرية التعبير في دولة قطر من مثل الرقابة الذاتية وعدم التوقيع أو المصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وعدم تعديل قانون الصحافة القطري، قانون المطبوعات المعتمد في عام 1979.
هذه مناقب ومثالب سيرة حرية التعبير في قطر والملاحظ أن المناقب لها نكهة دولية كأنها معروضة للاستهلاك الخارجي، أما المثالب فطعمها محلي وطني، إبداع في حرية التعبير على النطاق العالمي وإعاقة لحرية التعبير داخل الحدود الإقليمية.
فأين الخلل.. هل حرية التعبير بضاعة عابرة للقارات وممنوعة من التداول محليا، أنا أعتقد أن الإجابة في المثل الدارج التالي وهو أن “الحقوق تبغي لها حلوق” وحرية التعبير جائزة لا يستحقها إلا من سهر الليالي للوصول إليها وبالمختصر المفيد ان حرية التعبير حق من الحقوق لاشك ولكن هذا الحق لا يعيش في بيئة طاردة له، فهل المؤسسات الصحفية في قطر طالبة لحرية التعبير أم أنها في الحقيقة طاردة لها؟!.
هل المؤسسات الصحفية عندنا معنية برفع سقف سيطرة حرية التعبير على صفحاتنا المحلية أم أنها في الحقيقة خائفة من هذه السيطرة على مصالحها الخاصة؟!
هل هي مؤسسات تجارية تفضل التوافق وإرضاء الجميع ولو كانت الضحية حرية التعبير، أم هي مؤسسات رأي عام شعارها كشف الحقائق المزعجة ولو أدى هذا الكشف إلى تجفيف منابع المال السياسي والتجاري الداعم لها.
أنا أعتقد أن الصحافة عندنا مازالت تعيش بعقلية الرقابة المتزمتة، وإنما الذي تغير هو مسمى هذه الرقابة فبعد أن كانت رقابة رسمية أصبحت رقابة قطاع خاص بواسطة يد المؤسسة الصحفية.
والشاهد الأخير في كل ما سبق ما حدث مع الزميل عبد الله بن حمد العذبة في مقاله الأخير الذي منع من النشر كاملا في جريدة الراية وقامت جريدة الشرق مشكورة بنشره على صفحاتها تحت عنوان “خطاب الأمير ومنظمات المجتمع المدني”، ولقد قرأت المقال ولم أجد فيه تغريدا خارج السرب أو أمرا جللاً تخاف المؤسسة الصحفية من تبعاته، فهل سقف حرية التعبير في بعض مؤسساتنا الصحفية لم يحرك ساكناً منذ تاريخ رفع الرقابة الحكومية عن الصحافة عام 1995؟!
لقد تكررت حالات قطع الإرسال عن قلم الصحفي القطري، والخوف أن يصبح هذا التكرار ديدن الصحف القطرية، وتصبح حرية التعبير فاكهة للتصدير الخارجي، ومضاداً حيوياً للاستخدام المحلي لا يصرف إلا بموافقة الطبيب “رئيس التحرير” وبهدف محاربة انتشار المرض المسمى “حرية التعبير” في الجسم الصحفي كله. والسلام.